ابن ميثم البحراني

178

شرح نهج البلاغة

وجوب ذلك الاحتمال [ لانتهاء - خ - ] باحتمال أن يكون الذنب الَّذي يعيب أخاه به مغفورا له وإن كان كبيرا ، وذلك لاحتمال أن يكون حالة لم تتمكَّن من جوهر نفسه ، ونهى عن أن يأمن على نفسه صغير معصية يرتكبها لاحتمال أن يعذّب عليها لصيرورتها ملكة متمكَّنة من جوهر نفسه . ثمّ عاد إلى الأمر بالكفّ عن العيب باعتبار ما يعلم الإنسان من عيب نفسه ، وأن يكون الشكر للَّه دأبه على السلامة من التورّط في مورد الهلكة الَّذي سلكه صاحب الذنب وابتلاه اللَّه به . واعلم أن تعريف الغيبة يعود إلى ذكر الإنسان بما يكره نسبته إليه ممّا يعدّ نقصانا في العرف ذكرا على سبيل قصد الانتقاص والذمّ سواء كان ذلك النقصان عدم كمال بدنيّ كالعور والعمى ، أو نفسانيّ كالجهل والشره والظلم ، أو عدم كمال من خارج كسقوط الأصل ودناءة الآباء . واحترزنا بالقيد الأخير في تعريفها وهو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حقّ الزمن والأعمى بذكر نقصانهما . ثمّ الغيبة قد تكون باللسان وهي الحقيقيّة ، وقد تكون بالإشارة وغيرها من ساير ما يعلم به انتقاص أخيك والتنبيه على عيبه ، وتسمّى غيبة مجازا لقيامها مقام الغيبة . ولها أسباب غائيّة : أحدها : شفاء الغيظ . فانّ الإنسان كثيرا ما يشفى غيظه بذكر مساوي من غاظه . الثاني : المباهاة والتفاضل كما يقول من يتعاطى الإنشاء والشعر : كلام فلان ركيك وشعره بارد . الثالث : اللعب والهزل وترجية الوقت فيذكر غيره بما يضحك الحاضرين . الرابع : أن يستشعر من غيره أنّه سيذمّه عند السلطان مثلا فيقصد سبقه بذكر مساويه ليسقط شهادته عنده عليه ، وقد تكون لها غايات أخر . وقد وردت الرخصة في غيبة الفاسق المتجاهر بفسقه كالخمّار والمخنّث والعشّار الَّذي ربّما يفتخر بعيبه ولا يستحيي منه . قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له . لكن تركها إلى السكوت أولى . وباللَّه التوفيق .